حرب أوكرانيا (2025)
مقال قيّمي
19 Apr 2026في حرب أوكرانيا (2022–2025)، يُنشئ غيورغي فيرتوسو حقلاً تصويريًا يعيد تشكيل الصراع الجاري في الغزو الروسي لأوكرانيا بوصفه نظامًا من القوى الموزعة بدلاً من كونه حدثًا تمثيليًا. ومن خلال العمل ضمن صيغة مربعة ضخمة، تتخلى التركيبة عن التصوير الوصفي لصالح مصفوفة كثيفة ومترابطة تعمل فيها البُنى الهندسية والأشكال العضوية الحيوية في توتر مستمر. لا تُصوِّر اللوحة أحداثًا محددة أو شخصيات يمكن التعرف عليها؛ بل تُحوِّل الضغط الجيوسياسي وعدم الاستقرار الإقليمي واستمرارية الوجود الإنساني إلى لغة بصرية تجريدية تتشكل عبر التفكك والاصطفاف والاضطراب.1
من السمات الأساسية للتكوين بنيته الشبكية الكامنة التي تُضفي إحساسًا أوليًا بالنظام على السطح. غير أن هذا الإطار البنيوي يتعرض باستمرار للتفكك بفعل تدخلات زاوية وانزياحات منحنية تعبره وتزعزع تماسكه. تشير التقسيمات الرأسية والأفقية إلى تجزئة إقليمية، بينما تخترقها متجهات قطرية لتُنتج منطقًا بصريًا للاقتحام والمقاومة. وعلى عكس التجريد الفوضوي الخالص، يحافظ العمل على توتر بين النظام والانهيار، معكسًا هشاشة بقاء البنية تحت ضغط مستمر.2
تظهر العناصر التشخيصية بشكل متقطع عبر تفاعل إدراك المشاهد. تبرز العيون والملامح وأجزاء من الأجساد داخل التكوين، لتعمل كنقاط ارتكاز موضعية للإدراك. إلا أن هذه العناصر لا تستقر في هويات ثابتة، بل تبقى مشروطة وتتلاشى مع حركة النظر عبر السطح. وهكذا لا يتم إبراز الذات الإنسانية ولا محوها، بل تتوزع داخل الحقل، بما يشير إلى حالة تصبح فيها التجربة الفردية غير منفصلة عن القوى النظامية الأوسع. وتتحول الرؤية إلى عملية نشطة يُعاد من خلالها بناء المعنى وتفكيكه باستمرار.3
يمكن قراءة التكوين بوصفه تكثيفًا مكانيًا لمراحل زمنية وتشغيلية متعددة. تُقدّم المناطق العلوية تشكيلات أكثر حدة وخطية توحي بالتوتر والمراقبة والاستعداد. أما الحقل المركزي، بكثافته وتراكبه الإيقاعي غير المستقر، فيمثل مناطق الصراع والتشابك حيث تتقاطع القوى الاتجاهية وتتنافس. وفي الجزء السفلي، تمتد الأشكال وتتشتت، بما يدل على الانتشار والاستمرارية ونتائج غير محسومة. هذه المراحل لا تتعاقب زمنيًا، بل تتواجد معًا في حقل واحد متزامن، مما يعزز الطابع غير الخطي للصراع المعاصر.1
من الناحية اللونية، تعمل اللوحة من خلال نظام مكثف من التباينات والدلالات الرمزية. تتكرر درجات الأزرق والأصفر عبر السطح، مستحضرة الهوية الوطنية مع بقائها مندمجة في البنية التجريدية العامة. وتعمل الأحمر المشبعة كنقاط تركيز بصري، تشير إلى مواقع الانفجار والتأثير. بينما تضغط المناطق الداكنة الإدراك المكاني، تفتح المساحات الفاتحة مجالات مؤقتة من الوضوح. يخلق هذا التفاعل اللوني توازنًا ديناميكيًا، حيث يقوم اللون بتنظيم الحقل البصري وزعزعته في آنٍ واحد.2
يعزز حجم اللوحة وصيغتها المربعة طابعها الغامر، حيث يُحاط المشاهد ضمن حقل تفاعلي مضغوط وممتد في الوقت ذاته. وغياب نقطة ارتكاز بصرية واحدة يفرض حركة بصرية مستمرة، تعكس حالة عدم الاستقرار وعدم التنبؤ المرتبطة بالصراع المستمر. وبدلاً من تقديم صورة مكتملة، تحافظ اللوحة على حالة من التوتر الإدراكي، يُدعى فيها المشاهد إلى التفاوض مع علاقات متغيرة بين الشكل واللون والمعنى الضمني.3
في المحصلة، تقترح حرب أوكرانيا أن الصراع المعاصر لا يمكن تمثيله بشكل كافٍ من خلال سرد خطي أو صورة ثابتة. ومن خلال إذابة التشخيص في نظام من القوى العلائقية، يبني فيرتوسو نموذجًا بصريًا يظهر فيه الحرب كحالة بنيوية مستمرة — مادية وإدراكية ومفاهيمية في آنٍ واحد. وتُعيد اللوحة النظر في تقاليد الرسم التاريخي، داعيةً المشاهد إلى التفاعل مع التعقيد كعملية نشطة ومفتوحة، لا كحكاية تاريخية مغلقة.
السيرة الفنية
غيورغي فيرتوسو هو فنان معاصر يستكشف عمله تقاطعات الفلسفة والأنظمة التاريخية والتجريد البصري. تتميز ممارسته بتراكيب واسعة النطاق تجمع بين الأشكال العضوية والبُنى الهندسية والمنطق المكاني المجزأ.
من خلال انخراطه مع الأحداث التاريخية العالمية والأطر المفاهيمية، يحوّل فيرتوسو الأنظمة المعقدة إلى لغات بصرية تجريدية تقاوم التفسير الثابت مع الحفاظ على تماسك داخلي.
يتمحور عمله حول دراسة مستمرة للتاريخ بوصفه شبكة من القوى، يُعاد تشكيلها عبر التجريد في بيئات تصويرية غامرة.
يعمل بشكل أساسي بالألوان الزيتية على القماش، مستخدمًا تقنيات طبقية تسمح للأشكال بالظهور والتلاشي وإعادة التشكل عبر مستويات إدراكية متعددة.
ملاحظات تقنية
نُفذت اللوحة بالألوان الزيتية على قماش بحجم ضخم (3.23 × 3.4 متر)، وتعتمد صيغة شبه مربعة تعزز الضغط التركيبي والكثافة المكانية. تُنشئ البنية الشبكية الكامنة إطارًا أوليًا من النظام، يتم تعطيله لاحقًا عبر تداخل الأشكال الهندسية والعضوية.
يخلق التفاعل بين العناصر الزاوية الحادة والخطوط المنحنية توترًا مستمرًا بين الدقة البنيوية والحركة العضوية. كما تولد طبقات اللون عمقًا دون الاعتماد على المنظور التقليدي، مع التركيز على التفاعل السطحي والعلاقات المتبادلة.
تعمل التباينات اللونية كعناصر تنظيمية ومزعزعة في آنٍ واحد، حيث تشكّل مناطق اللون المتكررة نقاط ارتكاز ضمن نظام بصري لا مركزي.
المراجع
- سيرهي بلوخي، The Russo-Ukrainian War. Penguin Books، 2023.
- ماري كالدور، New and Old Wars. Stanford University Press، 2012.
- بول فيريليو، War and Cinema. Verso Books، 1989.
ببليوغرافيا مختارة
- بلوخي، سيرهي. The Russo-Ukrainian War.
- كالدور، ماري. New and Old Wars.
- فيريليو، بول. War and Cinema.
- دولوز، جيل. Difference and Repetition.
- كراوس، روزاليند. The Originality of the Avant-Garde and Other Modernist Myths.
